محمد بن جرير الطبري
325
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
مَا إنْ رَأَيْنَا مِثْلَهُنَّ لِمَعْشَرٍ . . . سُودِ الرُّؤُوسِ ، فَوَالِجٌ وَفُيُولُ ( 1 ) فأعاد على الجحد الذي هو " ما " جحدًا ، وهو قوله " إن " ، فجمعهما للتوكيد . * * * وقال آخر منهم : ليست " لا " ، بحشو في هذا الموضع ولا صلة ، ( 2 ) ولكن " المنع " هاهنا بمعنى " القول " ، وإنما تأويل الكلام : مَنْ قال لك لا تسجد إذ أمرتك بالسجود = ولكن دخل في الكلام " أن " ، إذ كان " المنع " بمعنى " القول " ، لا في لفظه ، كما يُفعل ذلك في سائر الكلام الذي يضارع القول ، وهو له في اللفظ مخالف ، كقولهم : " ناديت أن لا تقم " ، و " حلفت أن لا تجلس " ، وما أشبه ذلك من الكلام . وقال : خفض " البخل " من روى : " أبى جوده لا البخل " ، ( 3 ) بمعنى : كلمة البخل ، لأن " لا " هي كلمة البخل ، فكأنه قال : كلمة البخل . * * * وقال بعضهم : معنى " المنع " ، الحول بين المرء وما يريده . قال : والممنوع مضطّر به إلى خلاف ما منع منه ، كالممنوع من القيام وهو يريده ، فهو مضطر من الفعل إلى ما كان خلافًا للقيام ، إذ كان المختار للفعل هو الذي له السبيل إليه وإلى خلافه ، فيؤثر أحدهما على الآخر فيفعله . قال : فلما كانت صفة " المنع " ذلك ، فخوطب إبليس بالمنع فقيل له : ( ما منعك ألا تسجد ) ، كان معناه كأنه قيل له : أيّ شيء اضطرك إلى أن لا تسجد ؟ * * * قال أبو جعفر : والصواب عندي من القول في ذلك أن يقال : إن في الكلام محذوفًا قد كفى دليلُ الظاهر منه ، وهو أن معناه : ما منعك من السجود
--> ( 1 ) معاني القرآن للفراء 1 : 176 ، 374 و ( ( الفوالج ) ) جمع ( ( فالج ) ) ، وهو جمل ذو سنامين كان يجلب من السند للفحلة . و ( ( الفيول ) ، جمع ( ( فيل ) ) . ( 2 ) ( ( الصلة ) ) : الزيادة ، كما سلف ، انظر فهارس المصطلحات . ( 3 ) في المطبوعة : ( ( وقال بعض من روى : أبي جود لا البخل ) ) ، فغير ما في المخطوطة ، وأفسد الكلام إفسادًا .